محمد بن جرير الطبري
212
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
لا تملها فتصرفها عن هُدَاك بعد إذ هديتنا له ، فوفقتنا للإيمان بمحكم كتابك ومتشابهه = " وهب لنا " يا ربنا = " من لدنك رحمة " ، يعني : من عندك رحمة ، يعني بذلك : هب لنا من عندك توفيقًا وثباتًا للذي نحن عليه من الإقرار بمحكم كتابك ومتشابهه = " إنك أنتَ الوهاب " ، يعني : إنك أنت المعطي عبادك التوفيقَ والسدادَ للثبات على دينك ، وتصديق كتابك ورسلك ، كما : - 6649 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن محمد بن جعفر بن الزبير : " ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا " ، أي : لا تمل قلوبنا وإن ملنا بأحداثنا ( 1 ) = " وهب لنا من لدنك رحمة " . ( 2 ) * * * قال أبو جعفر : وفي مدح الله جل ثناؤه هؤلاء القوم بما مدحهم به = من رغبتهم إليه في أن لا يزيغ قلوبهم ، وأن يعطيهم رحمةً منه معونة لهم للثبات على ما هُم عليه من حسن البصيرة بالحق الذي هم عليه مقيمون = ما أبان عن خطأ قول الجهَلة من القدَرية : ( 3 ) أن إزاغة الله قلب من أزاغ قلبه من عباده عن طاعته وإمالته له عنها ، جَوْرٌ . لأن ذلك لو كان كما قالوا ، لكان الذين قالوا : " ربنا لا تزغ قلوبنا بعدَ إذ هدَيتنا " ، بالذم أولى منهم بالمدح . لأن القول لو كان كما قالوا ، لكان القوم إنما سألوا ربَّهم = بمسألتهم إياه أن لا يزيغ قلوبهم ( 4 ) = أن لا يظلمهم ولا يجورَ عليهم . وذلك من السائل جهلٌ ، لأن الله جل ثناؤه لا يظلم عبادَه ولا يجور عليهم . وقد أعلم عبادَه ذلك ونَفاه عن نفسه بقوله : ( وَمَا رَبُّكَ
--> ( 1 ) في المطبوعة : " بأجسادنا " ، وهو لا معنى له ، وهو تحريف للرواية عن ابن إسحاق . وصوابها من المخطوطة وابن هشام 2 : 226 . والأحداث جمع حدث : وهو الفعل . يسألون الله أن يثبت قلوبهم بالإيمان ، وإن مالت أفعالهم إلى بعض المعصية . ( 2 ) الأثر : 6649 - هو بقية الآثار السالفة التي آخرها رقم : 6648 . ( 3 ) القدرية : هم نفاة القدر والصفات ، ويعني المعتزلة . ( 4 ) في المطبوعة : " مسألتهم " بحذف الباء ، والصواب من المخطوطة .